ماكس فرايهر فون اوپنهايم
55
من البحر المتوسط إلى الخليج
لم تضم بلاد ما بين النهرين نهائيا إلى الإمبراطورية الرومانية إلا في نهاية القرن الثاني حيث احتلها الإمبراطور سبتيميوس سيفروس بعد معارك مع الفرثيين حالفه الحظ فيها وجعل نصيبين مستعمرة رومانية واتخذ منها عاصمة للإقليم الجديد . وبعد أقل من عشر سنوات سقط حكم الفرثيين نتيجة انقلاب داخلي ، واستولت على عرش الإمبراطورية سلالة فارسية بحتة ، هي السلالة الساسانية ، التي بدأت على الفور حربا ضد روما . خلال هذه الفترة ظلت نصيبين في حالة عالية من الازدهار ؛ كان السكان كما هي الحال في معظم أجزاء بلاد ما بين النهرين ، مسيحيين وكانت المدينة قد أصبحت مقرا للأسقف . وكانت تلتقي هنا كثير من الطرق التجارية والعسكرية . وتذكر « تابولا بويتنغيرانا » ( خريطة الطرق الرومانية ) أن الطرق العسكرية كانت تصل إلى سنجار وهترا ( الحضر ) ، وفي الغرب إلى رأس العين ؛ وعلى أرجح الظن كانت تمتد أيضا إلى الخابور الأوسط ونحو الشمال حتى سلاسل الجبال « 1 » . بعد انهيار السلطة الرومانية عادت نصيبين مع منطقة شمال ما بين النهرين إلى أيدي الفرس . وبقيت الحال كذلك إلى أن تمكن الإمبراطور ديوكليتيان في عام 297 م ، بعد حروب دامت عدة سنوات ، من إعادتها إلى الحكم الروماني حيث تم على أثر ذلك تحصين نصيبين تحصينا قويا وترقيتها إلى عاصمة الإقليم الحدودي المواجه للإمبراطورية الفارسية . ووضعت الحركة التجارية مع المناطق الأجنبية المجاورة تحت رقابة حكومية صارمة وحوّلت إلى نصيبين المحصنة التي شكلت قاعدة السلطة الحدودية الرومانية في شرقي بلاد ما بين النهرين . ولقد أثبتت المدينة أنها تشكل حصنا منيعا للحكم الروماني خلال الحروب الدامية مع شابور الثاني حيث حاصرها الفرس ثلاث مرات دون أن يتمكنوا من الاستيلاء عليها . ويبدو أن المدينة كانت آنذاك محصنة بثلاثة أسوار وبخندق عميق مملوء بالماء . وفي أصعب حصار شهدته المدينة في عام 350 م تألق الأسقف يعقوب المدفون اليوم في كنيسة نصيبين الحالية . فقد عرف كيف يحث المسيحيين المدافعين عن المدينة على التشبث في مواقعهم وحتى عندما شكّل الفرس ، عن طريق سد جداول المياه ، نوعا
--> ( 1 ) انظر مومزن ، نفس المرجع السابق ، ص 444 .